الشّارعُ مجانيّ

الشارع مجاني

أحيانا تخرج للشارع، تلبس أي شيء، بنطلون جينز  وقميص عادي، كل شيء عادي، تريد فقط أن تتنزه أن تستنشق الهواء العليل في وسط المدينة المزدحم الملوث بدخان السيارات لا يهم فقد مللت العيش في المنزل وتتمنى العيش في الشارع… هكذا كان هدفك في بداية الأمر، وهل هذا هدف؟! لا تدري. تمشي وتتجول تكون في حالة يرثى لها و تقول باستهزاء: ” أنا مثير للشفقة” ، ثم تكمل جولتك اللاهدف لها، فعلا مثير للشفقة، تكمل الحديث مع نفسك…” آه هل أنا مصاب بانفصام الشخصية؟” ،”يمكن، لا يهم”، تكمل جولتك ترى كل شيء غريب أو ترى كل شيء نمطي “أريد شيئا ذا قيمة”. الشمس تراك وتقول “ها هو الجافي” فتشعر  بأن الشمس ورائك وتريد الإنتقام، لأنك عندما استيقظت في السادسة والربع لم تقل: “أهلا وسهلا أيتها الشمس الجميلة” إنها ترسل أشعتها اللآهبة من ورائك تشعر بالدفء الزائد فتلتفت ورائك وإذا بسيارة تنفث دخانها الأسود نحو بنطالك وصاحبها يصيح بك ويقول: “بدي أرجع (لفيرس) لورا إبعد يا ابن ال… “، فتلعن السيارة وتلعن راكبها وتلعن اليوم الذي خرجت منه وتكشر عن أسنانك بل أنيابك وتعقد العزم على الصراخ أو الصياح أو النواح كالثكالى والأرامل، آه نعم كالثكالى، تريد أن تفعل شيئا ذا قيمة، وما هو هذا الشيء تسأل نفسك ولكن تقول: “لماذا أسأل نفسي؟” تصف نفسك بالحمق، آه نعم: ” أنا أحمق إذن أنا موجود أنا موجود إذن أنا أحمق“، تضحك لأنك اكتشفت شيئا جديدا في نفسك وهو الحمق. تمشي باستهتار تام، هل ترى يضيق الحال؟ أكثر! ترى حشائش صفراء طويلة متقاربة تظن نفسك في السافانا تقول: “آه أين الأسود المزعومة و من ذا الذي يحرس الغابة المسحورة؟”، (صوت داخلي: هل نعني لهم شيئا سوى أننا طعامهم المنشود فوق الموائد يطبخوننا سرا، وأحيانا نؤكل دون الطهو، إما يؤكل الرأس أولا أو يبدأون بأكل أقدامنا حتى يطول العذاب و الألم) وضعت يدك على فمك: “آه الحمد لله، إنه لا يتحرك” كتمت صوتك الداخلي ثم ضحكت لا تعرف لماذا؟ مشيت أكثر رأيت على جانبك الأيمن أرضا حرقت طازة كان البخار لا يزال يتصاعد منها: “آه أين الذئاب والوطواط؟”، (صوت داخلي: يبدو بأنهم في مجلس الوزراء)،”يبدو أنهم يأكلون الفتات!”،ضحكت أكثر ، اكتشفت شيئا جديدا ولكنك قلت ذاك الشيء بصوت خفيض، التفت: لا أحد، تمشي للأمام تنظر خلفك: لا أحد. تأخد ابتسامة عريضة و لكن دون أن تظهر أسنانك، تتابع سيرك ترى الحدائق العامة “لماذا فارغة؟” تسأل نفسك، (صوت داخلي: ربما الناس مثلك)، ” ما معنى هذا؟ كيف هم الناس مثلي؟” وتضيف “هل يريدون الانتحار ؟ هل ولكن… !” ترى شيئا جديدا لقد وصلت وسط المدينة تتراجع للخلف أو ترجع بضع خطوات يزاد معدل النبض لديك، لا أحد بجانبك ليقيس لك معدل النبض والضعط والتنفس. يزاد معدل التنفس، تحملق و دون إرادتك تفتح فمك، آه نعم إنها أعراض الدهشة ولكن ليست أي دهشة: الدهشة الغير مصدقة من قبل كل الحواس. عيناك لا تصدقان، أذناك لا تصدقان، أنفك لا يصدق، فمك لا يصدق، شعرك لا يصدق، حاجباك لا يصدقان ولذلك يقطبان، تنظر بطرف عينك اليمنى وأنت محملق ولكنك ترى ما رأيته، تنظر بطرف عينك اليسرى وترى نفس الشيء. تعاودالتنفس بسرعة بلا تحكم تمشي للأمام، تمشي للأمام بسرعة تدخل الصفوف المتجمهرة، وأنت إلى الآن لا تعرف ما الذي تنوي القيام به، “لماذا أدخل؟”، “لا أعرف”، لم تشعر بالرعب هذا طوال حياتك إلا عندما أخبرتك والدتك عن الغولة التي تأكل الأطفال عندما كنت صبيا قردا، تسأل نفسك: كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ وكل أداة استفهام تستخدمها لتسأل نفسك بها. أحد ضربك بكوعه، أوشكت لتصفعه لكنه حينما التفت إليك برز شيخ هرم، هرم جدا، وقال لك:”متأسف يا ابني، ما كنتش شايفك منتا شايف مش كادر أمشي” تخجل يديك المرفوعة للصفع وتنزلق على شعرك وتبدأ بحك رأسك فتستشعر الكلام يخرج دون إرادتك و تقول:” لا يهم، أنا المتأسف يا عم” تنظر إلى نفسك وكلك دهشة مما يحصل، و تقول في نفسك لم أتكلم بهذا الكلام لمنيح منذ دهر. تلحظ أصدقائك من بعيد تراهم يلوحون لك تدخل بالصفوف أكثر فأكثر لكي تقترب منهم، تقول لهم: “لماذا لم تدعوني إلى هنا؟”، يردون عليك:” لا نعرف لماذا أتينا؟ كان الكثير من الناس محتشدون هنا وأثارتنا الجلبة وأردنا معرفة ما يحصل فدخلنا… هنا الدخول مجاني”، ثم تسأل أنت:” وكيف وجدتم الوضع هنا؟” يقول لك أحدهم:” ولك ما تتخيلش مش بزعموا أنه رئيس، طلع مضحوك علينا يا زلمة طلع واحد نصاب حرامي سرق البلاد و خلانا في الواد وسجن الاولاد وأعطانا شوية قروش بتكفيش نملي ها الكروش اللي مش مبينة“. بدأ الجميع بالهتاف: “ليسقط النظام”،”فلتسقط الضباع و الذئاب”، “ارحلوا يا خونة، بدناش إياكم “، “اطلعوا وريحونا”، “زهقناكم، كم سنة بدكم تركبوا ظهورنا؟”،”والله تعبنا، ربنا لا يسامحكم علي عملتوا فينا”. وتتردد صدى هذه العبارات  في كل الأنحاء وعلى مسامع الناس كافة وتزداد الحشود بعد برهة قصيرة ليصبح فك هذه الجماهير ليس ممكنا البتة والفرار  والهرب من بين الناس صعبا للغاية فقد صرت الآن في المنتصف، آه نعم في المنتصف أي في قلب الأحداث الجارية ما عليك سوى أن تهتف الآن،  يقولون إنها ثورة، آه نعم ثورة إنها حقيقية وخيالية في الوقت ذاته فإنك تراها بعينيك هكذا قلت، لكن لم تتوقع أن تحدث وهل توقعت يوما ذلك؟ توقعت أن ينجح منخب بلدك المفضل في الدوري، توقعت أن تسافر حول أوروبا في ثمانين يوما ولكن أن تقوم ثورة؟! أن تقوم ثورة؟! أن تقوم ثورة؟! أن تقوم ثورة؟! بعد كل هذه السنين؟! هل أفاق شعبي؟! إن كان أو لم يكن فقد عرفنا الآن معنى الثورة! عرفنا معنى الحرية! عرفنا معنى اللاستبداد!  ولكن هل كنا نعرف ما هي الثورة قبل ذلك؟، يقف طفل صغير بجانبك ويسألك ببراءة عفوية:”ليث طلعوا الناث ثولة؟ (ليش طلعوا الناس ثورة؟)”، لم تدري ماذا ستجيب الطفل الصغير ، وجدت نفسك تقول: “لأنهم بطلوا يخافوا”،نظرت إلى نفسك تعجبت قليلا ولكن اكتشفت فعلا أنهم كسروا حاجز الخوف حاجز الصمت لذلك خرجوا، كانت المطالب موجودة من زمان أيام ما كانت جدتك تروي لك قصص علاء الدين و سندباد وألف ليلة وليلة، المطالب كانت أول شيء كتب في القائمة و طولب به، لكن هذا لم يجدي نتيجة لأن الجميع كان مرتاع ومرعوب أيضا لفكرة التظاهر والخروج إلى الشارع كما كنت ترتاع لسماع قصص أمك عن الغولة (أفضل أن تروي الجدات القصص وليس الأمهات)  لا يهم ، الآن اكتشفت شيئا جديدا، :” لم أخرج عبثا، ولن يكون، خرجت دون هدف ولكني سأرجع وقد وجدت الهدف، شيئا ذا قيمة شيئا لن يجعلني أسأم بسرعة، شيئا سأناضل من أجله، شيئا سيجعلني أرى الحقيقة، لماذا لم أكن أعرف الحقيقة؟” تعجب بنفسك ترى كل البشر في الشارع، كل الأعمار، ترى كل شيء حتى القنابل التي تريد تفجير  رأسك الغليظ الذي يريد القيام بثورة، لا تتراجع تقف بوجه القنبلة وتتحداها و تقول: “سأكون في المقدمة وأتحدى المقصلة” ….

على جدار من جدارن الشارع كتب الآتي: “في الشارع متسع للجميع من الشيخ حتى الرضيع ومجاني كذلك، يمكنك صنع المعجزات أو أن تضيع أو أن تقوم بالإصغاء إلى ما يقول الجميع وتكتب كل ما تستطيع أن تكتبه، فهذا الشارع ملك للجميع وفي هذا الشارع متسع للجميع “.

****

OH NO! I do want to comment AGAIN!

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s